صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

66

تفسير القرآن الكريم

وأما وجود نوع الإنسان فهو أوسع مجالا وأكثر آثارا وأفعالا ، وأرفع صعودا إلى جهة العلو ، وأعظم قوسا من النصف الصعودي من دائرة الوجود الذي وقع فيه السفر إلى اللّه والتوجه إلى جنابه للموجودات العالمية ، وذلك لأنه يرتحل في سيره الحثيث من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية الدائمة ، وينتقل في جوهره من نشأة إلى نشأة ثانية . وهذا الارتحال والانتقال أمر عام فاش مشترك بين سائر أفراد الإنسان ، يستوي فيه الشقي والسعيد ، فإن التوجه الفطري إلى اللّه تعالى لا ينافي الشقاوة والكفر ، لما ذكرنا ان الكل متوجهون إليه تعالى وإلى الدار الآخرة ، لأن النفس الإنسانية منه تعالى بدؤها وإليه رجعاها و إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى [ 96 / 8 ] ومن اللّه شروقها وغروبها ، فهبطت إلى هذا القالب الفاني ، وغربت فيه ، وستطلع هذه الشمس عند خراب القالب من مغربها ، وتعود إلى بارئها وخالقها ، إلا أن نفوس السعداء شموس زاهرة مشرقة غير محجوبة عن الحضرة الربوبية ، وان نفوس الأشقياء المردودين إلى أسفل السافلين مظلمة منكسفة ناكسة رؤوسها عن جهة أعلى عليين ، كما في قوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ 32 / 12 ] فبيّن أن نفوس الأشقياء أيضا راجعة إلى ربهم متوجهة إليه فطرة كالسعداء فطرة وإرادة ، إلا إنهم لكراهة لقاء ربهم منكوسون منحوسون ، قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم ، وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل ، وذلك لحكم اللّه وقضائه السابق فيمن حرمه توفيقه . وأما تمام هذا السفر الجبلي والتوجه الفطري إلى الغاية الحقيقية والمقصود الأصلي فإنما يتأتي للكمّل والأفراد والأقطاب والأوتاد ، الذين لأجلهم خلق العباد ، وبهم رزق الورى ولهم يمطر السماء ، فهم الذين يرتقون بالمعراج المعنوي والميل الباطني الجبلي من حد الهيولانية والجسمية والنطفية إلى عالم البشرية والفلكية والملكية ، مارّا على كل نفس وعقل ، حتى بلغوا إلى الغاية القصوى والمقصد الأسنى ، قاطعا كلتي نصفي دائرة الوجود نزولا وصعودا إلى مجاورة الحق المعبود ، مسافرا من هذا العالم